الصحابي جابان الكردي (رضي الله عنه) وهو احد مشاهير الكرد في التاريخ الإسلامي…

 

الحق أن المعلومات المتعلقة بحياة الصحابي جابان قليلة، بل قليلة جداً، ولا تتحدث عنه المصادر التراثية- ولا سيما كتب التراجم- إلا بأسطر قليلة، لكن ما وصلنا من معلومات حول ابنه التابعي(ميمون) هي التي تنير لنا الطريق إلى حقيقة ذلك الرجل، فالكتب الخاصة برجال الحديث النبوي تذكر تابعيًا اسمه ميمون الكردي، وجاء في كتاب (ميزان الاعتدال في نقدالرجال) للحافظ الذهبي أن كنيته أبو بَصِير، وقد ذكر كل من الحافظ المِزّي والحافظ الذهبي تابعيًا آخر اسمه ميمون بن جابان، وكنيته أبو الحَكَم، روى عن أبي رافع الصائغ، عن أبي هريرة مرفوعًا: “الجراد من صيد البحر“.

وقد روى ميمون الكردي عن أبي عثمان النَّهْدي، وعن أبيه، عن النبي محمد عليه السلام، وروى عنه جماعة منهم الزاهد الشهير مالك بن دِينار، وعدّه أبو داود من الثقات، وقال أحمد بن حنبل في مسنده: حدّثنا يزيد، حدّثنا دَيْلم، حدّثنا ميمون الكردي، عن أبي عثمان؛ سمع عمرَ يخطب، فقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ” إن أخوفَ ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان “.

وقال اليماني صاحب (الأنوار الكاشفة) عن ميمون الكردي:

” لم يُعزَ ولم أعثر عليه، ووالد ميمـون الكردي لا يكاد يُعرف. وقد ذُكر في أسد الغابة والإصابة باسم (جابان)، ولم يذكروا لهشيئاً. وسأل مالكُ بن دينار ميمونَ الكردي أن حدّثْ عن أبيه الذي أدرك النبي وسمع منه، فقال: كان أبي لا يحدّثنا عن النبي مخافة أن يزيد أم ينقص“.

ولم تُذكر السنة التي توفّي فيها التابعي ميمون الكردي، لكن المصادر تشير إلى أن مالك بن دينار الذي روى عنه عاش في البصرة، وتوفّي سنة (123، أو 127، أو 130 هـ)، وإذا أخذنا بالحسبان أن متوسط عمر كل جيل يتراوح بين (35 – 40) سنة ، فذلك يعني أن ميمون الكردي كان على الغالب حيًا في العقد الأخير من القرن الأول الهجري.

معلومات حول جابان.

ومهما يكن فإن ما يهمّنا في الدرجة الأولى هو جابان والد ميمون، وقد جاء في (أسد الغابة) لابن الأثير، وفي (تجريد أسماء الصحابةللحافظ الذهبي، اسم صحابي يدعى جابان أبو ميمون، سمع من النبي محمد عليه السلام حديثًا يفيد أن أيّ رجل تزوّج امرأة وهو ينوي ألا يعطيها الصداق لقي الله عز وجل وهو زان. أما في (الإصابة في تمييز الصحابة) لابن حَجَر العَسْقلاني فجاء الخبر عنهكما يأتي:

” جابان والد ميمون: روى ابن مَنْـده، من طريق أبي سعيد مولى بني هاشم، عن أبي خالد: سمعت ميمون بن جابان الصردي، عن أبيه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة، حتى بلغ عشرًا، يقول: من تزوّج امرأة وهو ينوي ألا يعطيها الصداق، لقي الله وهو زانٍ “.

ولم يذكر ياقوت الحموي في (معجم البلدانمكانًا أو بلداً أو مدينة باسم (صرد)، ولم ترد النسبة إلى هذا الاسم في كتاب(الأنساب) للسَّمْعاني (ت 562 هـ)، ولا في كتاب (اللُّباب في تهذيب الأنساب) لابن الأثير عز الدين (ت 630 هـ)، لكن ورد في كتاب (معجم البلدان) اسم (سَرْدَرُوذ)، وهي من قرى همذان، وقد يكون النسبة (صردي) محوّرة من (سردي) نسبة إلى (سردروذ)، ومثل هذا كثير في العربية. وإذا صحّ ذلك فالأرجح أن جابان الصردي هو والد ميمون الكردي، لأن همذان تقع في إقليم الجبال، وهي من بلاد الكرد، بل هي نفسها (أَكْبَتاناالعاصمة القديمة للميديين (أجداد الكرد) قبل سنة (550 ق.م).

وجاء في كتاب (خلاصة تاريخ الكرد وكردستان) للمؤرخ محمد أمين زكي، نقلاً عن العلامة الآلوسي في تفسيره الشهير (روح المعاني) أن جابان كردي، وروى حديثاً نبوياً أو أكثر يدور حولالنكاح.

نتائج وحقائق.

وتقودنا هذه الأخبار جميعها إلى الحقائق الآتية:

– أولها أن جابان كردي، باعتبار أن المصادر نصّت على كردية ابنه ميمون، ومن المحال أن يكون الابن كردياً ويكون الأب من قومية أخرى.

– وثانيها أن جابان كان من الصحابة، فقد لقي النبي محمداً عليه السلام، وسمع منه، وروى عنه، وكان الرجل شديد الورع، إلى درجة أنه كان غير متحمّس لرواية الأحاديث عن النبي محمد عليه السلام، مخافة الزيادة أو النقص، ومعروف أن بعض الصحابة كانوا يحجمون عن رواية الأحاديث عن النبي محمد عليه السلام خشية السقوط في خلل عند الرواية، وأن بعض سهام النقد وُجّهت، في عصر صدر الإسلام، إلى الصحابي أبي هريرة، لأنه كان يكثر من رواية الأحاديث.

– وثالثها أن سماع جابان من النبي محمد عليه السلام لم يكن مرات قليلة، بل كان متكررًا؛ أي أن لقاءه بالنبي لم يكن لقاءعابراً، وإنما كان يلتقيه مرارًا عديدة، وإلا فلماذا يطالب الناس ابنه ميمونًا بأن يروي لهم ما سمعه عن أبيه، عن النبي محمد عليه السلام؟!

– ورابعها أن العرب في أواخر العصر الجاهلي، ومع ظهور الإسلام، لم يكونوا يجهلون الكرد، إنهم كانوا يعرفون أن الكرد شعب قائم برأسه، وكانوا يعرفونهم بهذا الاسم تحديداً، ويميّزون بينهم وبين الفرس والروم والترك والأرمن، رغم تبعية الكرد للدولة الفارسية حينذاك، ولذلك لم يُقولوا: (ميمون الفارسي) مثلاً، كما قالوا عن الصحابي الشهير (سلمان الفارسي)، والصحابي (بلال الحبشي)، بل قالوا: (ميمون الكردي.(

وإن الجزء الأعظم من صحبة جابان للنبي محمد عليه السلام كان بعد الهجرة، فالأحاديث التيرواها تتعلق بقضايا التشريع التي تنظّم شؤون المجتمع، والمشهور أن النبي كان منشغلاً في مكة (قبل الهجرة) بأمور الدعوة، ومقارعة المناوئين له على الصعيد الإيديولوجي (العَقَدي)، وانصرف بعد الهجرة إلى تبيان القضايا التشريعية التنظيمية وترسيخها.

هذا ما استطعنا أن نعرفه حول الصحابي الكردي جابان رضي الله عنه.—————–
منقول عن مدونة روديم من مقالة
د. أحمد خليل