الفصل لأول
الكرد في الصراع الروسي – العثماني
أدى الكرد دورا مهما في الصراع الذي كان دائرا بين الدولة العثمانية و روسيا في القرن التاسع عشر. وإن فهم طبيعة هذا الدور مهم لفهم مكانة الكرد ودورهم في الصراعات الإقليمية اليوم. ولذا جاءت هذه الدراسة كي تحاول إعطاء مميزات هذا الدور والعوامل المؤثرة فيه .  يبدو أن كلا من الدولة العثمانية وروسيا القيصرية حاولتا ضم الكرد إلى جانبهما طيلة فترة الصراع، كما حاول الكرد استغلال الصراع الدائر بين هاتين
الإمبراطوريتين لإعادة استقلال الإمارات الكردية الذي أنهاه السلطان محمود الثاني، في النصف الأول من القرن التاسع عشر. ولفهم دور الكرد في الصراع سنحاول إعطاء دراسة موجزة عن العوامل الفاعلة في المجتمع الكردي في القرن الماضي. وقد كان لبريطانيا ـ باعتبارها لذلك كان من قوة عالمية ثالثة – دور بارز في الصراع العثماني – الروسي، المفيد كذلك شرح الأسباب المؤثرة في الموقف البريطاني المؤيد للدولة
العثمانية في الصراع الأخير مع روسيا، وفي جهود العثمانيين لقمع الانتفاضة الكردية، ومن ثم نعرج على دراسة دور الكرد في الحروب الروسية ـ العثمانية
خاصة حروب الأعوام 1827 ـ 1828، حرب القرم 1854، وحرب 1878 – 1887.
الصراع الروسي ـ البريطاني داخل الدولة العثمانية
مع بداية القرن التاسع عشر اشتد الصراع الروسي ـ البريطاني في الشرق الأوسط ووصل إلي مرحلة دقيقة، فالمكاسب التي حققتها روسيا القيصرية في حروبها مع كل من إيران والدولة العثمانية أثارت حفيظة بريطانيا، التي كانت تنظر بعين الشك إلى الأطماع الروسية التقليدية في الوصول إلى المياه الدافئة في الخليج الفارسي (المسمى أيضا بالعربي). عدت بريطانيا هذا التوسع الروسي، باتجاه الجنوب، تهديدا لمصالحها في الخليج، وتصور الإنكليز أن الهدف الأخير للروس ليس الخليج ذاته ووحده، بل السيطرة على هذا الممر المائي الإستراتيجي، المؤدي إلى المستعمرة المهمة في شبه القارة الهندية. ومن الجدير بالذكر أن إيران كانت قد منيت بهزيمة ساحقة أمام روسيا، واضطرت في اتفاقية كلستان عام 1813 إلى التخلي عن مناطق در بند، وقرباغ، وشيروان، وباكو، وداغستان وأبخازيا، وإن اتفاقية تركمنجاي الموقعة في العام 1828 بعد الحرب الروسية ـ الإيرانية عززت المكاسب الروسية في مناطق القفقاس، وأضافت إليها مناطق يريفان

ونخجفار ولم تكن المكاسب الروسية داخل الدولة العثمانية أقل أهمية من تلك التي حققتها في المناطق الإيرانية. فبعد الهزيمة الكبيرة للقوات العثمانية أمام قوات محمد علي باشا في مصر (1805 – 1848)، والتي أدت بالنتيجة إلى سقوط معظم الولايات الشرقية في أناضول ووقوعها بيد قوات محمد علي باشا، شعر السلطان العثماني بأن عرشه مهدد في استنبول، وأجبر على توقيع اتفاقية أنكيار أسكلسي في عام 1833. وأصبحت الدولة العثمانية بموجب هذه الاتفاقية بمثابة محمية روسية، وكانت للاتفاقية السابقة الذكر تأثير كبير في تأجيج الصراع البريطاني ـ الروسي من أجل النفوذ داخل الدولة العثمانية، لذلك تحول كل من
بالمرستون رئيس الوزراء البريطاني وستافورد كانينغ السفير الإنجليزي المتنفذ لدى الدولة العثمانية إلى ألد الخصوم للروسكما يستحب الإشارة هنا إلى أن الصراع الروسي ـ الإنجليزي في الشرق
الأوسط إبان هذه الفترة كان مرتبطا بمعادلة توازن القوى في المسرح الأوروبي، حيث شعرت بريطانيا بأن حصول الروس على مناطق نفوذ ومستعمرات في خارج أوربا سيقوي نفوذهم على المسرح الأوربي، وسيخل بمعادلة توازن القوى التي أرادت بريطانيا أن تكون راعية لها، وأن تحتفظ بقوتها المتمثلة بالمستعمرات وردع الآخرين من الإخلال بهذه المعادلة؛ لذا أصبح الحفاظ على الدولة العثمانية، ومنع الروس من الزحف جنوبا باتجاه المياه الدافئة (الخليج والمحيط)، من أولويات السياسة البريطانية طيلة القرن التاسع عشر.
                                                                                                            المجتمع الكردي في القرن التاسع عشر
إن الجغرافية السياسية وطبيعة المجتمع الكردي مكنت الكرد من أن يؤدوا دورا مهما في الصراع العثماني ـ الروسي، حيث كانت كردستان مسرحا لمعظم هذه الحروب؛ لذا من المفيد والضروري تحديد المناطق الكردية داخل الدولة العثمانية.
هناك نزعة بين الباحثين الغربيين في وصف المناطق الكردية داخل الدولة العثمانية بالإشارة إليها بمصطلحي أرمينية» أو «كردستان». ويبدو أن المصطلح الأول كان أكثر استعمالا في الفترة التي سبقت
الحرب العالمية الأولى، إذ استعملت أرمينية للإشارة إلى المقاطعات ذات الأغلبية الكردية في ولايات أناضول الشرقية وبالتحديد ولاية وان، وبتليس، ومعمورة العزيز، وأرضروم، وسيفاس ودياربكر. أما مصطلح كردستان فكان يستعمل في الأغلب للإشارة إلى ولاية وان، ودياربكر، في جنوب شرق أناضول ولاية الموصل (شمال العراق)، ولكن في النصف الثاني من القرن الماضي كونت الدولة العثمانية ولاية سميت بـ (كردستان) وشملت معظم الولايات ذات الغالبية الكردية في جنوب شرو أناضول (كردستان تركيا). فكردستان تشمل أيضا لمنطقة الممتدة بين جبال طوروس الممتدة مى أدنه» إلى الحدود التركية الإيرانية غرب بحيرة أورمية، ومعظم الأقضية والنواحي الواقعة في شرق أرضروم تسكنها غالبية كردية. وأخيرا تكون بلاد الكرد أيضا شريطا ضيقا داخل جمهورية أذربيجان وأرمينيا لامتداد الحدود التركية بين هاتين الدولتين يتبين من هذا العرض أن الكرد يسكنون معظم الحدود التركية ـ الإيرانية، والحدود التركية مع روسيا، إن هذا الموقع الجغرافي أعطاهم أهمية سياسية في صراع الدولة العثمانية مع كل من روسيا وإيران. امتاز الحكم العثماني في كردستان في الفترة الممتدة بين القرن السادس عشر والثامن عشر بوجود الإمارات الكردية المستقلة، وكان الأمراء الكرد يحكمون هذه الإمارات حكما مستقلا في أمورهم الداخلية وبطريقة ورائية. ولكن السلطان محمود الثاني، وتحت تأثير مستشاريه الغربيين وضمن الاصلاحات، قا بالقضاء على تلك الإمارات، ووضع إدارة مركزية عثمانية (معظم عناصرها من الموظفين الترك) محلها، كما ساهمت التنظيمات (الإصلاحات على الطراز الغربي) التي طبقت في الدولة العثمانية في الفترة 1839 – 1876 في تثبيت مركزية الدولة والقضاء على سلطة القيادة الكردية التقليدية . ولكن هذا الوضع ولد فراغا أمنيا، لأنه لم يتمكن الموظفون الترك والجندرمة (قوة الشرطة العثمانية)، بسبب الفساد المتفشي بينهم وجهلهم إداريا وسياسيا بالواقع الكردي من حكم المنطقة الكردية حكما سليما. أضف إلى ذلك عدم معرفة خصوصية كردستان، التي لم تعرف حكم الإدارة المركزية
الحكومية ولم تستسغه؛ لذلك عاشت المنطقة فراغا أمنيا، فكثرت فيها حوادث السلب والنهب والمعارك بين القبائل أنفسهم، وبين الكرد والأرمن الذين كانوا يسيطرون على غير يسير من تجارة المنطقة الكردية. كما ازداد ظلم طبقة الآغوات (رؤساء العشائر) واستغلالهم للفلاحين وعامة الناس ولم يكن أمام عامة الكرد من سبيل أو ملاذ يلجأون إليه في هذه الظروف الصعبة غير شيوخ الطرق الصوفية المنتشرة في تلك الفترة انتشارا كبيرا في المنطقة، خاصة طريقتي النقشبندية والقادرية. وبذلك بدأ شيوخ الطرق الصوفية يمارسون نفوذا سياسيا، فكانوا يحظون به عند رؤساء العشائر فضلا عن سلطتهم الروحية، : صبحت التكايا مراكز الدعوة الصوفية، تؤدي دورا مركزيا في حياة الكرد. وكان شيوخ الطرق الصوفية يدافعون عن مصالح الفلاحين ويحاولون الحد من استغلال الآغوات واستبدادهم فأصبحوا محط أنظار الكرد بسبب دفاعهم عن مصالحهم عند الحكومة العثمانية وعند الإدارة في المنطقة الكردية التي كانت تحاول فرض الضرائب التي ترهق كاهل الفلاحين وتفرض الخدمة الإلزامية بالقوة إن هذا العرض الموجز للمجتمع الكردي في القرن التاسع عشر يبين لنا
حقيقتين أساسيتين : أولهما: كان عامة الكرد خاصة قيادتها التقليدية غير راضية عن الحكم العثماني، وذلك لقيام الأخير بالقضاء على النظام الخاص الذي كان سائدا في كردستان لقرون عديدة، ولفرضها بالقوة على الكرد إدارة تركية غير كفوءة وغير نزيهة .
ثانيهما: إن ضعف الإدارة العثمانية وحالة فقدان الأمن، وانتشار الظلم انتشارا واسعا، والذي كان يمارسه الموظفون والشرطة التركية أو آغوات الكرد هيأت الأرضية الصالحة لظهور الطرق الصوفية وشيوخها واعتبارها ملاذا و نينة. وكان لهذين العاملين دور كبير في التأثير على الموقف الكردي أثناء صراع فيما يأتى . الدولة العثمانية مع روسيا، كما الكرد في الحرب الروسية – العثمانية (1828 – 1880) إن اهتمام الروس بالكرد يعود إلى بداية القرن السابع عشر، ولأسباب عدة كان في مقدمتها خطة قياصرة الروس في التوسع داخل ممتلكات الدولة العثمانية وإيران. وإن قصة هذا الاهتمام وردت، وبشكل تفصيلي، في كتاب
(كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى) لمؤلفه كمال مظهر، طبع ببغداد 1984، وكتاب (الرحالة الروس) لمؤلفه ب. م. دانتسيغ ترجمة وتحقيق معروف خزنة دار، 1981. ومن الجدير بالذكر أن الرحالة والدبلوماسيين والكتاب الروس تركوا العديد من الدراسات الاجتماعية والسياسية، التي وضعتهم في مقدمة المهتمين بالدراسات الكردية. ويكفي أن نشير هنا إلى أن فلاديمير مينورسكي والباحث الروسي اليهودي لازاريف وإيفانوف يعدون من شيوخ المستشرقين في الدراسات الكردية. ولكن اهتمام الروس بالكرد ازداد في مطلع القرن العشرين، وذلك لأن المكاسب الاستعمارية التي حققوها داخل الدولة العثمانية وإيران وضعتهم في حدود مباشرة مع الدولة العثمانية، خاصة في أناضول الشرقية، إذ تقطن فيها أغلبية كردية على الحدود. ففي عام 1826 أقد السلطان محمود الثاني، وبنصيحة من مستشاريه
الغربيين في البلاط العثماني، على ارتكاب مذبحة بحق الإنكشاري (الجيش التقليدي العثماني)، وكان لذلك الإجراء أبعاد مدمرة، لأن هذا التصرف جاء قبل أوانه أي قبل أن يقوم السلطان محمود بإعداد الجيش العصري البديل. وهذا مما أدى إلى وجود فراغ عسكري على الحدود الروسية ـ العثمانية. وفي معركة نقارينا في اليونان عام 1827 دمرت القوات المشتركة البريطانية والفرنسية الأسطول العثماني مع أسطول محمد علي باشا، وبذلك أخلى السبيل أمام القوات الروسية للتقدم داخل الدولة العثمانية حيث استطاعت خلال السنتين 1827، 1828م من السيطرة – وبدون مقاومة تذكر ـ على معظم المدن المهمة في
شرق أناضول وخاصة مدن قارص، وأرضروم وبايزيد. يبدو أن القوات الروسية لم تلق أي مقاومة من القبائل الكردية التي تميزت بموقفها الحيادي من القوات الروسية القليلة العدد، والتي دخلت المناطق
الجبلية الحصينة والوديان العميقة، ويعزو الباحثون موقف الكرد هذا إلى جهود الأمير غراف باسكوفيج نائب الملك في القفقاس والقائد الأعلى للقوات الروسية
هناك، إذ وضع باسكوفيج خطة لاحتلال أناضول الشرقية وضمها إلى الإمبراطورية الروسية. وكان ضمن تفاصيل هذه الخطة إعطاء اهتمام كبير للقبائل الكردية الحدودية ومحاولة دراسة أحوالهم اجتماعيا وسياسيا، وكسب ودهم عن طريق عقد تحالفات ثنائية دفاعية اعطا المناصب الفخرية والهدايا بينهم، ، والنقود لرؤساء العشائر المتنفذة، ومعاقبة بعضهم معاقبة شديدة وحرق قراهم وسلب ممتلكاتهم ونهبها ليكونوا عبرة لغيرهم. وكان لباسكوفيج هذا معرفة جيدة بالمجتمع القبلي الكردي إذ حاول استغلال تناقضاته لصالحه؛ وفي برقية له في تشرين الأول من عام 1829م كتب باسكوفيج ما يلي: إذا لم نستطع أن نكسب ود الكرد فإن كل مكاسبنا في المعارك الجارية ستتعرض للخطر؛ لأن هذا الشعب الشجاع يملك خيرة مقاتلي الشرق، وإن بإمكانهم أن يقطعوا خطوط اتصال قواتنا الخلفية، ويمكن أن يهاجمونا من جميع الجهات وإلحاق أفدح الخسائر بقواتنا» ولكن العامل الهام الذي مكن باسكوفيج من بناء شبكة من الصلات سا العشائر القوية على الحدود، هو سياسة السلطان محمود الثاني الوثيقة مع رو ، مع رؤساء الإمارات الكردية. فقد مر سالفا أن السلطان قضى على معظم الإمارات (18 إمارة). وقد استطاع باسكوفيج إقامة علاقات مع هؤلاء ووعدهم بأنه في حالة تمردهم على الدولة العثمانية وقبولهم السلطة الروسية فإن الامتيازات السابقة ث” ستعاد لهم.
ويبدو أن باسكوفيج كان واثقا من صلاته القوية مع رؤساء العشائر الكردية الحدودية؛ لذلك أراد في عام 1828 أي بعد بدء العمليات الحربية بتشكيل قوة من المرتزقة الكرد الموالين للروس قوامها عشرة آلاف فارس. فاقترح الموضوع على القيصر الذي وافق على تشكيل تلك القوة، وسمح بصرف مائة ألف قطعة

ذهبية لتغطية مصروفات تلك القوة المشكلة!؟
إلا أن تشكيل تلك القوة الكردية الموالية لروسيا بإشراف باسكوفيج لم تتحقق لأسباب عديدة؛ يعود العامل الأول في فشل ذلك المشروع إلى وجود قناعات غير عملية وموضوعية عند باسكوفيج، حول مدى التأييد الذي  هذا من جانب يحظى به الروس، وخاصة شخصه،كان مع  رؤساء العشائر الكردية؛ومن جانب آخر، فعلى الرغم من الوعود العديدة التي قطعها رؤساء الكرد لباسكوفيج، فإنهم لم يتجرؤوا على التمرد العلني ضد الدولة العثمانية، وأن كثيرا منهم احتفظوا بعلاقات ودية مع الطرفين. كان موقف رؤساء العشائر الكردية في أثناء هذه الحرب (وكما سنرى في الحروب القادمة) موقفا براغماتيا، يتلخص بمراقبة الأوضاع في البداية، .
الانحياز الكلي إلى جانب المنتصر”
إن هذا الموقف البراغماتي هو حصيلة التجارب المريرة التي تعلمها الكرد في خلال القرون الماضية، في أثناء الحروب الصفوية (إيران) والعثمانية. إلا أن
الأمير باسكوفيج يقدم سببا آخر لفشل مشروعه، السابق الذكر، في تأسيس القوة الكردية الموالية للروس. إذ يعتقد أن مؤامرات الدبلوماسيين الغرب ودسائسهم، وخاصة الإنجليز والفرنسيين، بين الكرد هي التي حالت دون إقدام الكرد على الانخراط في القوة التي أراد الروس تشكيلها. يذهب باسكوفيج إلى القول إن هؤلاء الدبلوماسيين قاموا بمساع مكثفة لإقناع الكرد بأن الروس سينسحبون من
المنطقة الكردية، وأن السلطات العثمانية ستعود إلى المنطقة، وستحاسب بشدة كل المتعاونين مع الرد” لم تكن جهود الأمير باسكوفيج بين الكرد دون ثمار، بل استطاع الروس تشكيل قوة كردية موالية لهم في يريفان، وكان معظم أفراد هذه القوة من

                                                                                                             اليزيديين الحاقدين على الدولة العثمانية.

وكان لهذا الفوج دور واضح في المعارك التي دارت في المنطقة الحدودية. وكما أن الروس أفلحوا في فرض الحياد على معظم القبائل الكردية. كما أن نداءات السلطان العثماني المتكررة للكرد لمقاومة الروس الغزاة وطردهم لم تؤد إلى اندفاع الكرد بشكل ملموس لمساعدة القوات العثمانية في أثناء العمليات الحربيه ويكفي هنا أن نشير إلى أن قوة روسية صغيرة استطاعت في تموز 1828
أن تدخل مدينة بايزيد على مرأى ومسمع القوات الكردية التي لم تكن تقل عن ألفي فارس، ولم تقاوم الاحتلال الروسي . إن ما حدث في بايزيد كان مثالا لما حدث في معظم المناطق الكردية. ويوجز (ت. والن) و(ب. مولتيف) الموقف الكردي من الحرب الروسية .

العثمانية (1828 – 1829) في الفقرة الآتية:
«رغم أن الكرد بصورة عامة بقوا عاملا غير موثوق به طيلة الحرب إلا أن حيادهم أعطى الأمير باسكوفيج الفائدة التي حظي بها نابير لغزوه الحبشة (أثيوبيا) بعد أربعين سنة. حيث نرى أن في كلتا الحالتين استطاعت قوة احتلال صغيرة الحجم، نسبيا، أن تدخل عمق أراضي العدو بعد أن ضمنت حياد القبائل الذي كان من الممكن أن يشكل خطورة كبيرة عليها» الانتفاضات الكردية والصراع العثماني ـ الروسي ـ الإنجليزي

إن الانتفاضات الكردية التي حدثت في النصف الأول من القرن التاسع

لنا جانبا آخر من الصراع العثماني ـ الروسي، وكيف أن الصراع عشر توضح الروسي ـ البريطاني أثر في هذه الانتفاضات بطريقة سلبية.
كانت انتفاضة ميركور (1832 – 1836) في كردستان ـ العراق تحديا كبيرا للدولة العثمانية، إذ أراد الأمير السوراني ميركور (محمد باشا الرواندوزى) أن حكمه. وكان (ميركور) يوحد الكرد جميعهم داخل الدولة العثمانية وإيران تحت

رجلا سياسيا وعسكريا ومصلحا من الطراز الفريد، في القرن التاسع عشر. وتعد انتفاضته أول انتفاضة كردية في التاريخ المعاصر، استهدفت جمع شمل الكرد في دولة مستقلة. وهناك العديد من الدراسات التي تناولت مختلف جوانب هذه الانتفاضة، وأسباب إخفاقها. فيما يخص هذا المقال، نحب أن نورد هنا المساعي البريطانية المكثفة التي ساعدت الدولة العثمانية على قمع الانتفاضة، ولما بدأت الانتفاضة تهدد الدولة العثمانية باستقلال الأجزاء الكردية منها، بدأ الدبلوماسيون الإنجليز بنشاط محموم، وعلى مستويات عدة، لإنهاء هذه الانتفاضة. إذ كان المقيم البريطاني في بغداد (دبليو تايلر)، و(1. بوسبو)
السفير البريطاني في استنبول يرسلان العديد من البرقيات، إلى القناصل البريطانية للاتصال بقادة الكرد وإقناعهم بعدم تأييد جهود (ميركور) في تحقيق
استقلال كردستان. وكما أن الكابتن شيل، والقنصل البريطاني في أورمية قد كلفا بمهمة التنسيق بين القوات الإيرانية والعثمانية، وذلك لتوجيه ضربة مشتركة إلى قوات ميركور، لإجباره على تسليم نفسه للسلطات العثمانية، مقابل ضمان حياته. وقبل ميركور هذه الوساطة، وانتهت الانتفاضة بتسليم قائد الانتفاضة نفسه لرشيد باشا قائد القوات العثمانية المكلفة بإنهاء الانتفاضة الكردية
وفي صدد بيان الدوافع البريطانية في دعم الدولة العثمانية، لقمع الانتفاضة الكردية، يجمع الدبلوماسيون الإنجليز على أنهم كانوا خائفين، من أن استقلال كردستان ستكون خطوة كبيرة لانهيار الدولة العثمانية، وتفتتها، لن تستفيد من ذلك غير روسيا؛ لذلك فإن الأطماع الروسية في الدولة العثمانية هي التي دفعت بريطانيا لدعم العثمانيين، في قمع الانتفاضة الكرديه وإن انتفاضة الأمير بدرخان 1842 ـ 1847 في شرق أناضول (كردستان -تركيا ) مثال آخر، يبين كيف إن الصراع الروسي ـ البريطاني للهيمنة داخل الدولة العثمانية ترك أثره البالغ في العلاقات العثمانية ـ الكردية. لقد كانت لهذه
الانتفاضة أسباب إقليمية ومحلية، كما أن هناك عوامل ذاتية، أدت أخيرا لإخفاقها، والتي تناولتها العديد من الدراسات الحديثة. ولكن سنحاول هنا فقط عرض البعد الدولي وبالتحديد الصراع البريطاني ـ الروسي.
كان قائد انتفاضة بدرخان باشا أميرا لإمارة بوتان، واستطاع ـ بفضل شخصيته القوية، واستقامته، وتقواه ـ أن يفرض قيادته على معظم رؤساء الإمارات والقبائل الكردية، فأراد بدرخان أن يقود الكرد في التحذي للسلطان
العثماني، الذي حاول فرض الإصلاحات الغربية في كردستان باسم التنظيمات. وفي عام 1847م دخلت الانتفاضة الكردية مرحلة، انضوت إليها معظم القبائل الكردية داخل الدولة العثمانية وإيران. ويبدو من التقارير التي أرسلها المسؤولون الإنجليز، داخل الدولة العثمانية، أن الحكومة البريطانية كانت قلقة جدا تبعات هذه الانتفاضة. إذ كان الدبلوماسيون الإنجليز يعتقدون أن الروس يقفون خلف هذه الانتفاضة، فقد صرح أحدهم عن هذا القلق بالقول: إنه في حالة نجاح انتفاضة بدرخان ستحرم الدولة العثمانية من 76 فوجا من أفواج الفرسان الكرد الذين يشكلون عماد القوات العثمانية في مواجهة الروس ومن أجل الحيلولة دون حصول ذلك، وحرصا على وحدة الـدولة العثمانية وعدم تفككها أوعز الإنجليز إلى الدبلوماسيين في مواقع الأحداث، بتقديم كل أنواع المساعدات الممكنة للدولة العثمانية، لإنهاء التمرد الكردي. وأخذ المدعو نمرود رسام مساعد القنصل البريطاني في الموصل على عاتقه دعم الدولة العثمانية، لإنهاء الانتفاضة الكردية، وقام الرسام بدعوة المار شمعون الذي كان الرئيس الدنيوي والروحي للطائفة المسيحية الشرقية                                     المسماة ب(السريان أو النسطوريين) أو الآشوريين الذين كانوا يسكنون في منطقة حكاري التي كانت تابعة لنفوذ بدرخان. وطلب الرسام من المار شمعون عدم إطاعة
للدولة العثمانية …
والدول الغربية فرصة التدخل في أمور كردستان بحجة حماية المسيحيين . وكان المار شمعون أداة طيعة بيد الرسام، فبدأ بإشعال الفتنة . الآ  ثوريين
والكرد، وتمرد هو على سلطة بدرخان. وحين قام الأخير بحملة تأديبية ضد المار  شمعون وأنصاره، بدأ الرسام بكتابة تقارير مضخمة عن الوضع في الما حكاري، وعن ضحايا الآثوريين المسيحيين، لكسب الرأي العام الغربي، ولممارسة الضغط على الدولة العثمانية، لإنهاء الانتفاضة الكردية. ونتيجة لهذه الحملة الإعلامية أرسلت كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا مذكرة إلى السلطان، يطلبون إليه قمع انتفاضة بدرخان، و إلا فإن الدول الغربية ستتدخل لإيقاف ما أسموه بامذابح المسيحيين»؛ لذلك أرسلت الدولة العثمانية قوة كبيرة للقضاء على الانتفاضه إن انتفاضة بدرخان أجهضت بفضل الدور البريطاني، وكان ذلك جزءا من
الصراع الروسي ـ البريطاني داخل الدولة العثمانية. إن هذه الانتفاضة تبين لنا أن
الصراع الروسي ـ العثماني كان له بعد ثالث وهو الدور البريطاني، وأن دور
الكرد في هذا الصراع قد تأثر به هو الآخر بهذا البعد.

********************************************************************

,Press University Comell) Politics World in East Middle The .nczowski. G.
.8-39. .p. ,(1980
.(964. ,.Ltd Company and Cass Frank :London) ,East Near he، and England
.74 P٠

نوار، سليمان. تاريخ العراق الحديث، مرجع سابق، l99cp؛ وانظر:
(14)
.853. ,14 June ,Adington tO Rawlinson ,957 / 78 O. F. نوار، سليمان. تاريخ العراق الحديث، مرجع سابق، l99cp؛ وانظر:
(14)
.853. ,14 June ,Adington tO Rawlinson ,957 / 78 O. F.

ن. خالفين. الصراع على كردستان، بغداد: مطعة الشعب، 1963، —42 . 43.
مظهر، كمال. كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى، ترجمة: محمد الملا عبد
الكريم، بغداد: دار آفاق عربية للطباعة والنشر، صرده ـ 44.
.ussian. From •. Kürtler larinda Savas lran Ve Osmanli,Rus ,Aviarov .P
3. – 172 .p. ,(1995 ,Sipan :Ankara) ,Varli Muhammed

(15) .p. ,(Agency Book .niv. :Lahore) History Their and Kurds The .aheed. A. S.
.143-144
34