البارزانيين و نهج التحرر و الاستقلالية كوردستان

لا يمكن ان ينفى ان هناك امة تعيش على هذه البقعة من الارض التي تقع في شرق الاوسط و غربية قارة اسيا من المهد, وهم امة كوردية والذي تبلغ عدد سكانية مع عدم وجود احصائية دقيقة على انهم مابين 45 مليون الى 50 مليون نسمة , قُسِمَ ارضهم جغرافياً مابين خمسة دول وهم العراق وايران و تركيا و سوريا و ارمينيا,واكثر من 2مليون كوردي بعد تهجيرهم يعيشون الان في الدول اوروبية و امريكا ودول اخرى.
ان ارض كوردستان في تقسيمها الاول كانت في معركة جالديران مابين امبراطورية عثمانية و الصفوية في سنة 1514. وتم تقسيم كوردستان الى قسمين . قسم الاكبر كان تحت حكم امبراطورية عثمانية بعد انتصارهم على قوات الصفوية,
مر شعب كوردستان في ويلات كثيرة لا تحصى , وكان ذلك دافع قوي ان تبدأ الشعب كوردي بالثورات ضد هيمة و احتلال امبراطوريات في المنطقة ,و اسس امارات عديدة عبر قرون الماضية ومنها امارة اردلانية والتي امتدت حكمهم حوالي 700 سنة والتي كانت قائمة من سنة 1169 الى سنة 1869 . وامارات اخرى منها(بابانية و سورانية و بادينان , هكار و بوتان و بدليس …) و غيرها من الامارات والذين ناضلوا ضد احتلال و هيمنة امبراطوريات على ارضهم , وكان امارة بوتان في سنة 1848 اسس من قبل بدرخان باشا ويمكن القول كان اخر امارة كوردية و التي اسقطت بهجوم من دولة عثمانية انذاك على اراضي كوردستان والتي كان تحت سلطة هذه الامارة . ويمكن القول اشتعلت ثورات عديدة اخرى ومنها ثورة شيخ عبيدالله و ثورة شيخ سعيد و ثورة احسان نورى باشا و ثورة شيخ محمد البارزاني و ثورة شيخ عبدالسلام و ثورة شيخ احمد و ثورة ملا مصطفى البارزاني و ثورة محمد قازى , ثورة شيخ محمود حفيد و غيرها من الثورات كوردية .
ولذلك سنتطرق في هذه البحث الى ثورة البارزانيين والتي دام و يستمر لحد الان :
ان ثورة البارزانيين بدأ في اواخر قرن 18 بتحديد في سنة 1886 من قبل شيخ محمد البارزاني والد ملا مصطفى البارزاني ,والتي جمعُ وجهاء و كبار العشائر من عدة عشائر كبيرة في المنطقة (مايسمى الان منطقة البارزان والذي مكون من 7 عشائر رئيسي اندمجو في بدايات قرن 19 )والذي ارسل رسالة خطية الى حاكم ولاية موصل , وقد طالبو بابسط حقوقهم من الحاكم الولاية ما يتعلق بمناطق كوردية ومنها انشاء طرق و فتح مدارس و تعيين شباب من مناطقهم في دوائر حكومية في مناطق كوردية .
وكان رد حاكم الولاية على هذه طلبات , ابعاد (نفي) عائلة شيخ محمد البارزاني من مناطقهم الى منطقة بدليس , والتي استطاعوا ان يرجعوا مرة اخرى بمساعدة الكورد في هكارى و بوتان الى بارزان في بداية سنة 1900م والتي دام نفيهم حوالي عقد من زمن .
بعد رجوع عائلة البارزانيين الى مناطقهم ,بدأ شيخ عبدالسلام شيخ محمد الاخ لملا مصطفى البارزاني بتجميع رؤساء العشائر في المنطقة , و وافقو في الاجتماع الى ان يرسلو رسالة الى حاكم ولاية موصل انذلك وطالبوا عدة طلبات اساسية لمناطقهم بنفس طلبات والتي طالبها ابوها شيخ محمد البارزاني من سلطة عثمانية في سنة 1886,منها فتح طرق و المدارس و دراسة بالغة كوردية و تعيين شباب كورد في دوائر الحكومية في مناطق كوردية .و رد حاكم عثماني و طلبو ان تأتي شيخ عبدالسلام الى الولاية لمناقشة الطلباتهم و تنفيذها , الى ان وجهاء و كبار العشائر طلبو من شيخ عبدالسلام عدم ذهاب و قالو انه مكيدة و يريدون قتلك, ولكن كان شيخ عبدالسلام مصرٌ ان يذهب مع عدة من رفقاء وقبل ان يصل الى ولاية كان جنود عثمانيين وضعو فخ لقتلها , الى ان شيخ عبدالسلام و رفاقه استطاعوا ان يقتل عدد من جنود العثمانية و يرجعوا سالمين الى مناطقهم , فمن هنا بدأ ثورة (شيخ عبدالسلام) في سنة 1909م و استمر ثورتها ضد عثمانيين الى سنة 1914و التي اسر مع رفاقه المناضلين من قبل عثمانيين و اعدمو بقرار من محكمة عسكرية مع رفاقه في موصل بامر مباشر من سلطان عبدالحميد العثماني.
لا شك ان اعدام شيخ عبدالسلام لم يسبب في اطفاء ثورة البارزانية و ان بعدها رفع شيخ احمد البارزاني شعلة الثورة من اجل تحرر خاصةً في زمنها تم تفكيك امبراطورية عثمانية في اتفاقية لوزان سنة 1923 وقبلها اتفاقية سايكس بيكو و اتفاقية ارزروم و غيرها من الاتفاقيات مابين دول الغربية . فكان ثوراتها في سنة 1930 و 1933 ضد احتلال الانكليزي كان بشكل واضح طالبوا التحرر وتاسيس دولة كوردية على غرار دول مؤسسة حديثاً منها التي سمو بدولة العراق و تركية . وكان رد انكليز متوحش جداً حتى انهم استخدمو قنابل عنقودية و غيرها من الاسحلة فتاكة ضد الثورة و المدنيين الكورد العزل ولكن هذه الهجمات اللاانسانية ضد مدنيي كورد لم يوقف الثورة كورد و استمر .
الثورة البارزانية بزعامة ملا مصطفى البارزاني:
بعد اعدام شيخ عبدالسلام البارزاني الاخ لملا مصطفى البارزاني و ثورة شيخ احمد البارزاني, انخرط ملا مصطفى الى صفوف البيشمركة و كان لبارزانيين في زمن زعامة ملا مصطفى دور رئيسي في مساعدة و حماية مملكة الملك شيخ محمود حفيد في مدينة سليمانية ضد احتلال انكليزي و بعدها وصلو زعيم ملا مصطفى مع رفاقه الى مدينة مهاباد في شرقي كوردستان و التي تم تاسيس اول دولة جمهورية كوردية من قبل قازي محمد في كوردستان الشرقي والتي سميت بدولة ( جمهورية كوردستان)في سنة 1946 , والتي دام اكثر من 11 شهراً قبل هجوم القاجاريين ايرانيين على الجمهورية كوردستان .
في سنة 1946 اسس حزب سياسي باسم حزب ديمقراطي كورد بزعامة ملا مصطفى البارزاني و بعد حوالي سنة غيرو اسم الحزب الى حزب الديمقراطي الكوردستاني . وهذا دليل واضح على ان البارزانيين ارادو ان يطلبوا بحقوق شعبهم على طاولة المفاوضات و سياسياً .
في سنة 1958 و بعد انهيار جمهورية كوردستان في مهاباد و ذهاب ملا مصطفى مع رفاقه ال 500 البيشمركة الى اتحاد السوفيتي رجع ملا مصطفى البارزاني مع رفاقه الى العراق, وقد استقبلوا من قبل شعب العراقي و الاهالي مدينة بصرة بشكل خاص بحفاوة في زمن عبدالكريم قاسم .
مابين سنوات 1958 الى 1961 بمفاوضات عديدة لم يتوصلو الى حل لقضية شعب كوردستان مع سلطة العراقية انذاك في بغداد , الى ان بدأ ثورة جديدة باسم ( ثورة ايلول ) بزعامة ملا مصطفى البارزاني ضد سلطة العسكرة في بغداد , والتي دام حتى سنة 1969م , والتي اجبر سلطة بغداد بجلوسهم على طاولة ,و وصلوا الى اتفاقية سميت ب ( اتفاقية اذار ) و الذي اعطى (حكم الذاتي) للكورد في مناطقهم جغرافياً . واستمر المفاوضات الى سنة 1974 و حكومة العراقية كان يعرقل التنفيذ بنود الاتفاقية والتي دام 5سنوات بدون نتيجة .
الى ان اتفق دولة العراقية والايرانية لتفكيك الاتفاقية 11 اذار وانهيار المفاوضات مع الكورد في تقديم اراضي جنوبية للعراق الى دولة ايرانية مقابل مساعدتها في مواجهة ثورة الكورد في كوردستان . ونجحوا في ذلك الاتفاقية مشئومة ,والتي كان نتيجة هذه الاتفاقية حرب 8 سنوات مابين العراق و ايران والتي راح ضحيتها اكثر من مليون انسان من كلا طرفين,مع تدهور و انهيار اقتصاد كلا دولتين!
و مع ذلك لم يدم طويلاً الى ان اشتعل ثورة (كولان) المجيدة بزعامة المرحوم ( ادريس ملا مصطفى البارزاني و بعدها مسعود ملا مصطفى البارزاني) في سنة (1976) , والذي استمر شرارة الثورة حتى سنة (1990) مع انتفاضة الشعب العراقي و كوردي ضد هيمة و طغيان حزب البعث على السلطة في البغداد .
وقد كان عصر جديد بالنسبة للكورد و تم تنفيذ بنود اتفاقية (11 اذارل سنة 1969) .
و في سنة 1992 لاول مرة تم تاسيس اول حكومة كوردية في انتخابات شرعية التي شارك فيها الشعب كوردي , تحت حماية امم المتحدة و الدول الغربية .
في بداية سنة 2003 لاول مرة شاركت الكورد في مؤتمر لندن مع معارضة العراقية لكتابة صياغة للحكم مابعد حكم البعثي,قبيل هجوم الغرب على سلطة البعث , وكان للكورد دور مهم و اساسي لانجاح المؤتمر لندن.
وايضاً للكورد بزعامة مسعود البارزاني دور محوري و اساسي في كتابة دستورالعراقي الجديد والذي تم تثبيت كل حقوق اساسي للشعب العراقي بشكل عام ومنها الفدرالية والتي تم اقرار بها بعد استفتاء على الدستور من قبل الشعب .
ومع اجراء انتخابات سنة 2005 العراقية تم اجراء استفتاء في المناطق كوردية بزعامة مسعود البارزاني و رجعوا الى رأي الشعب هل يريدون استقلال كوردستان ام لا , فقد كان (نعم للاستقلال) كان اكثر من 97 % من الاصوات الشعب طالبوا باستقلالية كوردستان . والتي تم تثبيت نتائج هذه الاستفتاء في الارشفة الامم المتحدة وان لم يكن استفتاء رسمي.
لا شك وان تاريخ شاهدُ على معاناة الشعب الكوردي من قبل حكام واحد تلو اخرى في بغداد وقبلهم من المحتلين على اراضيهم كان دافع لاشعال الثورات و تقديم بارواحهم من اجل قضية عادلة من اجل استقلال ارضهم تحت حكم الغزاة والمحتلين .
حاول الكورد من سنة 2005 ان يفتح صفحة جديدة مع حكومة في البغداد و لكن لم ينجحوا , و ان تاريخ المأساوي شاهد على غطرسة و وحشية حكومات العراقية ضد الشعب الكوردي من الانفال و تعريب و تهجير و الابادة الجماعية . لذلك و في نصف ثاني من سنة 2017 اجتمع قادة كورد بزعامة مسعود البارزاني لاقرار بمستقبل كوردستان لان حكومة البغداد لم يترك سبيل لانجاح العيش المشترك او مبدأ شراكة تحافظ على حقوق الشعب كوردي تحت هيمة السلطة في البغداد .
فقد قرر و باجراء استفتاء في 25\9\2017 و التي شارك فيها اكثر من 93% من شعب كوردستاني ب (نعم)لاستقلال كوردستان . ولكن كان رد حكومة بغداد والتي سيطر عليها دولة ايرانية باحتلال اراضي كورد مرة اخرى بهجوم في 16 اوكتوبرفي نفس سنة ,وليعيد مأسي مرة اخرى من القتل و تهجير و تعريب و ابادات جماعية ضد مدنيين كورد من قبل محور شاركت فيها ( ميلشيات المذهبية و قوات ايرانية والتركية و العسكر لحكومة العراقية ) و بمساعدة من قوات اتحاد الوطني المسمى (جلاليين) الذين خان شعبهم و وطنهم ,والنتيجة بسطو سيطرتهم العدوانية على تقريباً 50% من اراضي كوردستان جغرافياً , قبل ان يندحرو هجماتهم المتوحشة و غريزتهم العدوانية من قبل قوات البيشمركة كوردستان في محور(التن كوبرى)(سحيلة)(مخمور) وقد كان ضربة موجعة بخسائر كبيرة لحكومة العراقية , وايضاً تم فك اتفاقية مابين الدول الثلاثة(ايرانية ,عراقية,تركية).
ان تاريخ الشعب كوردي مليء بالثورات و منها ثورات البارزانيين التي امتدت لاكثر من 100 سنة ويمكن القول انه مستمرة الى حد الان. وهم رافعين شعار و راية (او كوردستان او الموت)من اجل قضية العادلة وهو التحرر واستقلال كوردستان .
فلاشك فيها, ان كورد بزعامة البارزاني و ثورتهم الخالدة سينعمون قريباً وليس بعيداً بما يناضلون من اجلها وهو استقلال كوردستان , وان استفتاء سنة 2017 وثيقة حية سيستخدمونها في وقت و مكان مناسب .

 

**************************

الكاتب : عبدالكريم سعيد برواري
محلل و كادر سياسي

abdulkareemaradni@yahoo.com