مشاهير

الشاعر احمد نالبند

هوزانڤان ئه‌حمه‌د نالبه‌ند

الشاعر احمد نالبند

بل ان ابدأ سرد حياة هذا الشاعر الکوردي الذي عاش بين عامي 1892أو1891 و1963،
 أود أولا ان أتطرق الى قصة طبع ديوان هذا الشاعر الجليل والذي طبع تحت عنوان
 (حديقة الکورد) في خمسة مجلدات غنية بالقصائد المتنوعة حيث يحتوي
کل مجلد من هذا الديوان على باب من أبواب الإبداع والجمال.
لقد مر ديوان أحمدي نالبند بمراحل حرجة وأوقات عصيبة من عمر العراق بصورة

 

عامة وکوردستان بصورة خاصة، حيث ظل هذا الديوان يدور حول نفسه‌ وحول اوضاع
العراق في تاريخ صعب جدا ملئ بالنضال القومي للشعب العراقي بکل اطيافه‌،
 ولکن کانت للحرکة الکوردية دورها في قصة هذا الديوان الذي
رأى الويلات کصاحبه‌ وکأبناء شعبه،‌ فقصف بالقنابل والنيران وتم ترحيله‌ مع بني
 جلدته‌ لتکون کل قصيدة في ديوان أحمدي نالبند وکل بيت شعري وکل کلمة کتبها شاهد
عيان على تلك الفترة الحرجة من عمر النضال في العراق بصورة عامة وکوردستان بصورة خاصة.
لقد ذاقت کل قصيدة من قصائد أحمدي نالبند مرارة الظلم وعاشت کصاحبها تعاني وتناضل

 

 من اجل البقاء وتمسکت بالحياة ورفضت الموت تحت اقدام القتلة لتخرج للنور بعد وفاة
 صاحبها ومبدعها ويتم طبع الديوان وبأجزائه‌ الخمسة بعد 30 عاما من التشرد والترحال…
کان للکاتب الکوردي الجليل (طه‌ مايى) الدور الأساسي والاهم في قصة ديوان (حديقة الکورد)

 

 حيث سرد التفاصيل عن کل الأحداث التي رافقت هذا الديوان وذلك في مقدمة المجلد الاول من ديوان
(حديقة الکورد/ باغي کوردا) حيث کتب وقال: کان أحمدي نالبند شاعر معروف في منطقة (باهدينان)
وکان لديه‌ الکثير من المعارف والأصدقاء الذين عاهدوه‌ دوما ان يکونوا السند له‌ عندما يقوم بطبع أشعاره‌
، ولکن خابت آمال الشاعر بعد ان أدار له‌ ظهره‌ کل من عاهده‌ من قبل في مساعدته‌، لذلك اضطر
 الشاعر وقرر ان يتجول في القرى القريبة ويطلب من أهلها (الزکاة) کي يستطيع
ان يجمع المال الکافي لطبع قصائده،‌ وللأسف خاب أمله‌ في ذلك أيضا فتوقف
 عن طلب المساعدة الى ان اندلعت ثورة ايلول عام 1961 التي قادها الخالد ملا مصطفى البارزاني.
 ونظرا لتواجد القائد البارزاني في منطقة(برواري بالا)
 التابعة لمحافظة دهوك بعد ان سمع أحمدي نالبند ذلك توجه‌ اليه‌ ‌
 طامعا برؤيته‌ وطلب المساعدة منه‌ لطبع قصائده‌ وديوانه‌، ودب الأمل في نفس الشاعر
من جديد ولکنه‌ ولظروف معينة لم يلتقي بالبارزاني فکتب قصيدة عن شخص
البارزاني وارسلها له‌ منتظرا الرد من منه،‌ ولکن لم يفلحه‌ الحظ ولم يستلم أي جواب.
لذلك وبعد ان ضاقت الدنيا به‌ اتجه‌ الى الشاعر الکبير (طه‌ مايي) وأرسل له‌ کل ماکتب من أشعار،

 

 والمدونة في دفاتر بسيطة وبعثها مع زوج ابنته‌ (سيد مجيد خشخاشي) مرفقة برسالة شخصية للکاتب طه‌ مايي کتبها باللغة العربية، وفي مايلي نص ما کتبه‌ الشاعر أحمدي نالبند للسيد طه‌ مايي:
«لحضور حضرة الملا طه‌ افندي، لازال محروسا..

 

بعد تقبيل تراب النعال وإرسال التسليمات على التوال، قد ارسلنا لکم هذا الدفتر وفيه القصائد عددها 63،

 

 وفي زاخو تسعة دفاتر مشحونة بالاشعار جمعتها سابقا وعددها مئتان بل أزيد وغالبها أطول من أطول هذه‌،
 حتى يوفقني الله‌ ان اطلبها وأرسلها لجنابکم، فافعل بها ماشئتم وما تريدون،
 وضاع عمري بجمعها وما تمت لکثرة شواغل الناس من کل الوجود»
  ونظرا لظروف کوردستان التي کانت تمر بمرحلة الثورة والقصف المستمر
 بالطائرات والقنابل والهروب المستمر من القرى الى الکهوف والجبال، وخوفا
 من ضياع هذه‌ الأمانة القيمة التي يحملها الکاتب طه‌ مايي، قرر أن يضع هذه‌ الامانة بايدي
اکثر امنا وايدي محافظة فلم يجد غير البارزاني القائد اهلا لحماية هذه‌ الأمانة.وبالفعل
 توجه‌ الشاعر القدير
 (طه‌ مايي) الى مقر القائد البارزاني بتاريخ 25/6/ 1970 وبعد ان انتهى المؤتمر الثامن للحزب الديمقراطي الکوردستاني بتاريخ 10\7/1970 وضع الامانة التي يحملها تحت ايدي البارزاني وشرح موضوع الامانة التي أودعها عند‌ه المرحوم (أحمدي نالبند) وقرر البارزاني على الفور طبع ديوان الشاعر(أحمدي نالبند) وتحت اشراف الشاعر(طه‌ مايي) وبدأ الشاعر طه‌ بترتيب القصائد في قائمة خاصة حيث تکونت القائمة من (710) قصيدة قام الشاعر طه‌ بإعادة کتابتها نظرا لسوء خط المرحوم (أحمدي نالبند) ولکن ولظروف قاهرة اضطر الشاعر طه‌ ان يستأذن من البارزاني ويعود أدراجه‌ الى منزله‌ وعاهد ان يکمل ماتبقى من الديوان هناك بين اهله‌، ووفى بعهده‌ وعاد ليلتقي بالبارزاني مرة ثانية بتاريخ 20/4/1971 وکان بحوزته‌ 22561 بيت من اشعار نالبند و910 صفحة جاهزة للطبع، فأمر البارزاني بأن يتوجه‌ الى بغداد بعد ان کتب له‌ السيد مسعود بارزاني رسالة الى الأستاذ (صالح اليوسفي) الذي کان وزيرا للدولة العراقية عام 1970 ونائبا لرئيس جمعية الصداقة العراقية السوفيتية.
بتاريخ 10/5/1971 ذهب الجليل (ملا طه‌ مايي) والتقى بالشهيد صالح اليوسفي الذي أرسله‌ بدوره‌ الى وزارة الإعلام ليلتقي بالسيد (زکي جابر) الذي کان وکيل وزير في الوزارة وبمساعدتهم ومساعدة الأستاذ (عبد الرحمن فوزي) تم إرسال الديوان الى هيئة رقابة المطبوعات، وبعد فترة التقى الشاعر طه‌ مايي برئيس هيئة المطبوعات السيد (عبد الامير معله‌) واستلم الديوان بتاريخ 31/6/1971 ولکن للاسف لم يکن الديوان کاملا حيث لم تتم الموافقة على طبع مجموعة من قصائد المرحوم أحمدي نالبند لذلك اضطر السيد طه‌ الى ان يسافر الى منطقة (حاجي عمران) حيث مقر البارزاني والتقى به‌ مبينا له‌ آخر المستجدات حول طبع الديوان وبين له بان مجموعة شعرية کاملة لم يتم الموافقة عليها‌ للطبع من قبل هيئة رقابة المطبوعات، فأمره‌ البارزاني أن يسافر الى بيروت حيث حرية النشر والطباعة وطبع الديوان کاملا هناك في لبنان،لکن اقترح السيد نجل القائد بارزان مسعود بارزاني ان يطبع الديوان في مدينة السليمانية حيث هناك مطبعة تحت اشراف السيد (رمزي قزاز) ولکن ونظرا لوجود بعض النواقص في المطبعة لم يتمکن السيد طه‌ مايي من طبع الديوان فوضع المجموعة الشعرية الکاملة في مکان آمن وتوجه‌ الى اهله‌ وعائلته‌ طامعا بالعودة في حالة توفير مطبعة مناسبة.

 

في تلك الفترة حدثت محاولة اغتيال القائد ملا مصطفى بارزاني فتوجه‌ الشاعر الأديب طه‌ مايي الى مدينة (حاجي عمران) وجلب فورا معه‌ المجموعة الشعرية لأحمدي نالبند خوفا عليها من الضياع.‌ الأمانة التي أبى إلا ان يؤديها إيمانا منه‌ بحق الأمانة وعشقا منه‌ للأدب الرفيع ووفاء لصديق عانى الکثير وتمنى طويلا ان يتحقق حلمه‌ بطبع ديوان عمره‌.

 

في عام 1978 تم ترحيل الشاعر الاديب (طه‌ مايي) وعائلته‌ واهل قريته‌ بعد ان حرقت القوات البعثية قريته‌ مع الکثير من القرى الکوردية الاخرى وتم ترحيل اهلها قسرا الى مجمعات سکنية وکان نصيب الشاعر (طه‌ مايي) مجمع (قدشى) حيث اجبر على العيش والسکن هناك والى عام 1985 ظل شاعرنا يعيش تحت الاقامة الجبرية في ذلك المجمع والى ان جاء يوم قامت قوات الامن بالتفتيش والتحري في المنزل مبلغين شاعرنا بانه‌ سيرحل الى مکان اخر في الغد، لذلك قام الشاعر والاديب طه‌ مايي بأخذ ديوان أحمدي نالبند وديوان شعري خاص به‌ ليرسله‌ الى مکان امين بعيدا عن أيدي قاتلي الثقافة لانه‌ کان متاکدا بان قوات الامن البعثي سيقضون على مکتبته‌ التي کانت أغلى شئ لديه‌ وخاصة انها کانت تحتوي على الأمانة التي أودعها عنده‌ صاحبه‌ الشاعر الجليل أحمدي نالبند.

 

وفي اليوم الثاني هرب السيد طه‌ من المجمع الى منطقة (برواري بالا) وسکن في المنطقة الحرة وبعد فترة وبمساعدة بعض الأصدقاء تمکن من اعادة ديوان (أحمدي نالبند) الى احضانه‌ من جديد ليضعه‌ بين طيات قلبه‌ وفيا آمنا مؤمنا بالأمانة ومافيها ومصمما على إبلاغ رسالة أحمدي نالبند وتحقيق امنيته‌ التي عطشت وجاعت وبکت وبردت وأنفلت ونالت کل اصناف العذاب کصاحبه‌ لکن الايمان المطلق والإرادة الجبارة للاديب طه‌ کانتا دوما ملازمتين للحارس الامين على الديوان فحرس بکل إخلاص على أمانته‌ وظل العين الساهرة عليها.

 

في عام 1987 زار منطقة (باهدينان) القائد مسعود بارزاني والتقى بالاديب طه‌ مايي الذي سلم الأمانة کاملها الى السيد مسعود وذلك خوفا عليها من الضياع وخاصة ان المنطقة کانت تقصف دوما من قبل طائرات النظام والقنابل کانت الضيف الثقيل اليومي على تلك المنطقة، وبعدها وفي نفس العام هاجر السيد طه‌ الى ايران هربا من الجحيم البعثي.

 

وفي ايران وبعد ان علم السيد مسعود بارزاني بوجود الأديب طه‌ في ايران ارسل في طلبه‌ طالبا منه‌ الاشراف على طبع ديوان أحمدي نالبند وأمره‌ ان يقوم بجمعه وکتابة المقدمة لهذا العمل القيم، ولکن تدخلت الاقدار مرة اخرى ولم يتم طبع الديوان وظلت القصائد تأن وتناضل من اجل استنشاق نسمات الحرية ومن اجل الظهور الى العالم وفاء لصاحبها الذي کتبها بعمق جراحه‌ وقوة ايمانه‌ وعمق عشقه‌ ومحبته‌. 

 

 

 

ظلت المجموعة الشعرية لأحمدي نالبند بحوزة السيد طه‌ مايي الذي عاد الى کوردستان عام 1991 بعد الانتفاضة المجيدة واستقر في محافظة دهوك، وبعد خمسة اعوام من رجوعه‌ وفي عام 1996 اجرت مجلة (گازي) في عددها 16/17 لقاء مع السيد طه‌ مايي وهناك تطرق الى موضوع ديوان أحمدي نالبند وانه‌ مازال يحتفظ بها وقرأ نص اللقاء في المجلة السيد مسعود بارزاني فبعث ببرقية الى الفرع الاول للحزب الديمقراطي الکوردستاني يأمرهم بإبلاغ الشاعر بالمباشرة بطباعة ديوان ذلك الشاعر (التائه).‌ ولقب بالتائه‌ لانه‌ کان مجهولا للوسط الثقافي الکوردي لغاية وفاته، وهو الذي جرع المرارة من کأس الحياة وعاش متجولا مرتحلا من دار الى دار ومن قرية الى قرية بحثا عن قوت يومه‌ وخبز أطفاله،‌ الذين وشحتهم الدنيا برحيل والدتهم فارتدوا اليتم ثوبا باهت اللون ممزق الأطراف، لم يستقر شاعرنا في مکان واحد مثل قصائده‌ اللاتي بحثت عن ملجأ آمن لتسکن فيه‌ وتأوي اليه‌ لنيل طعم الاستقرار

 

.. وهكذا صدر الديوان بأجزائه الخمسة في 31/7/1997.
رحل شاعرنا حزينا مکتأبا يحمل أماني لم تنل الوصال، وأحلام ذبحت في رحم الحياة القاسية

 

، فوضع حدا لمعاناته‌ وانتزع الروح الثکلى من جسده‌ المنهك ليرحل الى جوار ربه‌ وينعم
بالوصال الذي تمناه‌ ويقر عينا برؤية أحباب ودعهم بلا حول ولا قوة أمام الأقدار القاسية،
 فرحل مطمئنا آمنا تارکا وراءه‌ کنزاً من کنوز الادب وحديقة سماها بحديقة الکورد
، بستان عزفه‌ وموسيقاه حفيف الفراشات الراقصة على انغام قصائد ملونة وأزهار تفوح منها
 روائح رب کريم، وعليها لمسات من حسن آلهة الجمال والشعر.
له‌ ديوان واحد (حديقة الکورد) ولحديقته‌ خمسة أبواب يحار‌ المرء لو خير من أي باب يدخل!!

 

 وکلما دق المرء باباً من ابواب حديقته‌ وظن ان الروح شبعت
من قرأت قصائده‌ وجد روحه‌ تطلب المزيد والمزيد، ويسعى ليطرق باباً أخر من ابواب جنته‌ الجميلة،
 وکانت بوابة الدين لها بابين فيها من القصائد والأشعار، ما يذهب بالانسان الى جوار ربه‌ راضيا مرضيا وهما (التصوف) و(الدين) اللذان لهما طعمهما‌ ومذاقهما‌ الإلهي ونکهة روح الرب الذي وهب له‌ عشقه‌ ومحبته‌ ومنحه‌ قدسية القصيدة عطاء غير مردود.
حلقت روح أحمدي نالبند الى سماء الشعر فصاغها ورتلها ترتيلا لتکون کل کلمة من کلماته‌ تبجيلا وتعظيماً لخالقه‌ عزوجل، وهذا ليس بالعجيب إن علمنا انه‌ درس القرأن الکريم وقرأه وهو مابين الخامسة والسادسة من العمر، حيث کانت والدته‌ (فاطمة) هي التي تشرف على هذه‌ القراءة فذاق شهد آيات ربه‌ وهو مازال صغيرا.

 

واقتطفت من حديقة الکورد زهرة عطرها وشذاها من عبق الله‌ قصيدة کتبها باللغة العربية فينشد ويقول في قصيدة (الحمد لله‌ ذي الالاء والقدر):

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى